أن نجهّز أنفسنا للحرية… من جديد
حوار مع ألبي ساكس
عام 1989، بعد عام من انفجار أودى بذراعه وإحدى عينيه، جلس ألبي ساكس في منفاه وكتب مقالة[1] مباغتة لرفاقه في المؤتمر الوطني الأفريقي. كان نيلسون مانديلا ما يزال في السجن، وحزب المؤتمر ما يزال محظوراً، والحرية ما تزال فكرة قرّر ساكس الإيمان بها قبل العثور على براهينها. أما المقالة، التي كتبها لمؤتمر حزبي داخلي حول الثقافة، فكانت على حد تعبيره «مشاكسة … عاتية … أبيّة … ممتعة»،[2] فيما كان يملك مبرّرات كثيرة لكتابة أقسى وأسخط وقتذاك. ما تزال المقالة تلك حجّة ماثلة أمام أعيننا على ضرورة اتّساع الخيال السياسي للفرح، لا بالرغم من النضال بل لأن الفرح هو من جملة ما يناضل المرء من أجله
ألبي ساكس، «أن نجهّز أنفسنا للحرية»، المسودة الأولى، 1989. تقدمة مجموعة ألبي ساكس.
طرحت مقالة «أن نجهّز أنفسنا للحرية» فكرة بدت أشبه بالهرطقة ضمن الكفاح التحرّري: أن الثقافة ليست ترسانة سلاح في خدمة القضية، بل هي أساس لا يمكن بناء مجتمع حرّ وديمقراطي من دونه. طلب ساكس من رفاقه، المنفيّين والمحظورين، أن يتخيلوا من يريدون أن يكونوا على الضفة الأخرى من الحرية، لا ما الهياكل السياسية التي يريدون لها أن تنتصر. كما أصرّ أن الجمال والفنّ والحبّ مطالب سياسية مشروعة بذاتها، لا رفاهيات تستحق التأجيل إلى ما بعد النصر.
تخاطب هذه المقالة أشياء من صلب ما نقوم به في نيو فجنز. فعملنا قائم على فرضية بسيطة وعسيرة في آن: الخيال السياسي ليس من الكماليات التي بوسْع النشطاء الالتفات إليها بعد تصدّيهم للمشكلات الأكثر إلحاحاً، بل هو البنية التحتية التي تتأسّس عليها، أو تفشل في التأسّس عليها، جميع أشكال المستقبل الديمقراطي. ففي مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نعمل مع منظمات ونشطاء يواجهون ما سماه ساكس «الغيتو المضاعف» للخيال غير الحرّ، حيث يُضاف إلى الدكتاتورية السياسية دكتاتورية أخرى هي طغيان هاجس البقاء، وهو طاغٍ إلى درجة تجعل مجرد التوقُّف لتخيُّل شيء خارج الأوضاع الراهنة عملاً في غاية الصعوبة.
يأتي حوارنا مع القاضي ساكس، بعد ستة وثلاثين عاماً على تلك المقالة، لتقريب روحها منا. فهي تحدّثنا عن الحرية، والفنّ، والديمقراطية، وأخلاق الحبّ في الحركات النضالية… تلك المكوّنات التي نؤمن بأن الخيال السياسي يحتاجها إن أراد بناء مستقبل يستحق أن يُشتهى وألا يكتفي بإدارة الأزمات.
كتب ساكس مقالته قبل أن يعرف ما إذا كان أي شيء من ذلك سينجح: قبل إطلاق سراح مانديلا، وقبل أن يصبح المؤتمر حزباً قانونياً، وقبل أن يتوفر أي دليل على أن الفرح موقف سياسي يمكن الدفاع عنه.
بعد ستة وثلاثين عاماً، تعيش المنطقة التي نعمل فيها أحوالاً شتّى تُصعّب على أبنائها أخذ رهان ساكس، وأسباباً جمّة تشجّعهم على الإقدام عليه بالرغم من ذلك. هذا الحوار محاولة منا لبدء التجهيز للحرية، من جديد.
جرى تحرير هذا الحوار بشكل طفيف من أجل الوضوح والاختصار.
نيو فجنز: ألبي ساكس، أهلاً بك في نيو فجنز. دعني أرسم مشهداً من ماضيك للقراء والمستمعين. نحن في عام 1989. نيلسون مانديلا ما يزال في السجن. والمؤتمر الوطني الأفريقي ما يزال محظوراً. بالكاد مضى العام الأول على نجاتك من محاولة اغتيال في المنفى في مابوتو، والتي أودت بذراعك وإحدى عينيك. ومع ذلك قلت في معرض «الربيع متمرّد» إنك لم تستمتع بكتابة شيء قط كما استمتعت بكتابة تلك المقالة. على حد تعبيرك: «كانت مشاكسة، كانت عاتية، كانت أبيّة، كانت ممتعة». كيف اجتمع هذا القدر من الفرح واللعب مع كل ما مررت به ونجوت منه قبل وهلة، ولا سيما والحرية بعيدة عنك كل البعد؟ ما الذي منحك الجسارة اللازمة لكتابتها؟
ألبي ساكس: لقد كانت قنبلة وانفجرت. صحيح أنها أخذت ذراعي وإحدى عينيّ، ولكن انتابني بعدها شعور رائع. لقد جاؤوا ليقتلوني وأنا في معترك النضال من أجل الحرية. كنت أعيش طوال الوقت وفي بالي سؤال: هل سيلحقون بي؟ هل سيأتون اليوم؟ هل ستمرّ بسلام؟ هل سأنجو؟ لقد حاولوا محوي فلم يأخذوا سوى ذراع. حق لي أن أشعر بالبهجة.
خبر منشور بعد تفجير 1988. تقدمة مجموعة ألبي.
كان ذلك عام 1988. بعدها نُسفت كل همومي وانشغالاتي الصغيرة. كان ذلك كبيراً. كان هائلاً. مذهلاً. بديعاً. كان سحراً! كان عليّ أن أتعلم الجلوس، وأن أتعلم استعمال كرسي المرحاض، وأن أتعلم الوقوف. انظري يا أماه، أستطيع أن أقف الآن! عدت طفلاً غضّاً يتعلم الكتابة بيده اليسرى. انظري يا أماه، أستطيع الكتابة بيساري. مرحلة التعافي بالنسبة لي، بعد ذلك الانفجار المظلم المريع، وبعدما فقدت القدرة على إدراك ما يجري لي لوهلة، ثم بعد عبوري لها في نهاية المطاف، كانت كلها بهجة خالصة.
ألبي يتعافى في لندن بعد التفجير، 1988. تقدمة مجموعة ألبي.
هذا من جهة. لكن من جهة أخرى، كان ثمة حسّ استباقي طاغٍ بأن بلادنا مقبلة على اختراق وشيك. التغيير قادم. بعبارة أخرى: كل الثورات تكون مستحيلة حتى تقع، ثم تصبح قضاء مبرماً. كنا حينها في تلك المنزلة بين المستحيل والقضاء المبرم. داخلياً وخارجياً، كنت أعيش إحساساً بالصخب والتبدّل. ثم هناك ذلك الترقّب: هل نحن جاهزون لذلك؟ لقد كدنا نعتاد المنفى والسجن والعمل السري. هل نحن منفتحون على الحرية، وعلى ما تعنيه الحرية؟ وهنا كانت رحلتي في موزمبيق، المستقلّة للتوّ، مفيدة للغاية.
كانت موزمبيق مستعمرة برتغالية لمئات السنين، إلى أن نالت استقلالها عام 1975. ذهبت للعمل هناك عام 1977، وفي 1988 انفجرت بي تلك القنبلة. لقد هزّتني تلك البلاد عدة هزّاتبديعة من قبل، فالثورة الموزمبيقية انطوت على عدد من العناصر الشعرية. كل قادتها الكبار كانوا يكتبون الشعر. كان جزءاً لا يتجزأ من فعلهم التعبيري. ومن أسباب ذلك القمع الذي عاشه مثقفو البرتغال تحت الحكم الفاشي، فكانوا يلتقون بمثقفي موزمبيق في السجون ويتبادلون معهم أساليبهم المختلفة في التفكير والنظر للأمور. ضمن حراكنا في جنوب أفريقيا، كنا سنشعر بالحرج لو وجدنا نيلسون مانديلا يكتب الشعر. أو لو كان أوليفر تامبو يكتب الشعر. كان ذلك مفهوماً، لكن كما ترين كنا معتادين على الفصل التام بين العقل الثقافي والعقل السياسي. كانت الثقافة تعتبر ترسانة سلاح في خدمة النضال. لقد كانت سلاحاً رائعاً بالفعل. كنا نغني دائماً. نغني في الجنازات. نغني في الاجتماعات. وفي جزيرة روبن كان الناس يغنّون، وكانت لديهم جوقات بديعة. ذلك مما يستحيل انتزاعه، حتى في السجن. لم نكن نمشي في مسيرة دون أهازيج. كان شعبنا يصدح ويسير.
فبهذا المعنى، كان في كفاحنا الكثير من التعبير الثقافي، لكن الثقافة بقيت شيئاً منفصلاً عنه إلى حد ما. كانت الثقافة للاستهلاك على مسرح خارجي. تبدأ بفقرة ثقافية، ثم ينتهي البرنامج، ثم تنتقل إلى عالم السياسة.
لويس سواريش، اللامحميّون، 1978. تقدمة مجموعة ألبي.
في موزمبيق كانت الأمور متناغمة أكثر. كان الرئيس سامورا ماشيل يغنّي، والجمهور ينضمّ إليه ويصاحبه بشكل كامل، لا في البداية والنهاية فحسب. فهذا من جهة. ومن جهة أخرى أسهمت الثقافة في موزمبيق في خلق روح استقلالية. إذ لم يكن لدى الموزمبيقيين إلا القليل من الناحية المادية، لكن الكثير الكثير من الناحية الروحية. فالمستعمرون البرتغاليون رسّخوا فكرة مفادها أن الخيال حكر على النخبة الصغيرة المندمجة. لكن ما فعلته الحكومة الموزمبيقية وفريليمو (جبهة تحرير موزمبيق) هو وضع فرقة ثقافية في كل مدرسة ومستشفى وجامعة ومصنع ومكتب حكومي. هذا أولاً. ثم إنهم كانوا يجلبون أعمال فنّانين موزمبيقيين، مثل رسومات مالانغاتانا نغوينيا ومنحوتات ألبرتو شيسانو، وغيرهما الكثير، ليضعوها في مبانيهم.
مالانغاتانا نغوينيا، دروب جديدة، 1986. تقدمة مجموعة ألبي.
هكذا صار الفنّ يخدم ما نسميه اليوم تصفية الاستعمار، لا بشكل رسمي بل بشكل طبيعي وعفوي. لم يستعمل أحد كلمة «أصلانية» ولا «الهوية الأفريقية»، لكن كان يقال «الهوية الموزمبيقية» بمعنى عدم استبعاد أحد وعدم هدم أي شيء. فقد كان لديك أناس من أصول متنوعة، غير أن غالبيتهم الساحقة من أصل أفريقي ويتكلمون لغات أفريقية ومتشبّعون بالثقافة الأفريقية من وجوه كثيرة، وهو ما صار الآن يعبّر عن نفسه ببلاغة عالية.
أما لغة الوحدة الوطنية فكانت البرتغالية. صحيح أنها لغة الظلم، لكنها للمفارقة صارت لغة التحرّر أيضاً، ولغة الوحدة، ولغة الشعر. للشاعر الموزمبيقي جورجي ريبيلو بيت شديد الصلة بنضالنا، حيث يقول: لا يكفي أن تكون قضيتنا نقية وعادلة / لا بد أن ينبع النقاء والعدل من نفوسنا. يا لها من عبارة.
صفعتني هذه الأفكار في وجهي صفعة جميلة وأنا هناك. أذكر أيضاً حركة الجداريات الكبرى، وقد شاركت بنفسي في رسم إحداها. أثارني اعتبار الفنّ جزءاً لا يتجزأ من تعبير الشعب عن نفسه، بدل اقتصاره على فنّانين يصنعون أشياء جميلة له. هناك الجميع يشاركون، بالغناء وبالرقص وبالرسم. لذلك أصبح عندي كالطبيعة الثانية. ولذلك بدأت أتبرّم من التعبيرات الثقافية ضمن مشروعنا التحرّري. فقد دأبت لسنوات أعتبر الفنّ أحد أسلحة النضال، وأن الانخراط في النضال واجب على كل فنّان، وما زلت عند ذلك الرأي.
جدارية وزارة الزراعة في مابوتو. الصورة من كتاب بعنوان صور ثورة. تقدمة مجموعة ألبي.
نيو فجنز: لكنك حينها دعوت رفاقك، ومنهم من كان منفياً أو مختبئاً، وفي خضمّ النضال المسلّح الذي كنتم تخوضونه، إلى الكفّ عن اعتبار الثقافة سلاحاً، وإلى التخلّي عن توظيف الفنّ في خدمة السياسة، وإلى ترك فسحة في الفنّ للالتباس والتناقضات، وحتى للفرح. من المستغرب أن يقال ذلك لمن يكافحون للحفاظ على حياتهم. لمَ تراجعت عن القراءة النفعية للثقافة وكيف صرت تراها أساس الديمقراطية التي تودّ بناءها؟ ومن أين جاءت قناعتك بأن المجتمع الحرّ لا يولد من دون خيال حرّ أولاً؟ ومن وجهة نظرك، ما أهمية التعاطي مع الالتباس والتناقضات بالنسبة لنشطاء اليوم؟
ألبي ساكس: لم أقل توقفوا عن توظيف الفنّ في نضالكم، بل بالعكس قلت لهم واصلوا نضالكم وخذوا فنونكم إلى الشارع. لكن أيضاً لا تختزلوا الفنّ في دوره التعبوي، لأنكم بذلك تبسّطونه، وتبسّطون الحياة التي هي في الواقع شديدة الثراء وشديدة العمق. بل إن الشيء السياسي الحقيقي هنا هو الدخول في معمعة التناقضات والتعقيدات. هذا هو الفعل الأعمق. والأنجع في تحقيق الوحدة. فأنت لست في عرض عسكري يتحرّك على إيقاع موحّد، بل بحاجة إلى نسج صِلات أمتن بالواقع. وقلت انظروا إلى فنوننا وسترون الأبطال: جميعهم، إن كانوا رجالاً، جذابون وشجعان، وإن كنّ نساء فجميلات وقويات. ثم تنظر إلى العدوّ فتجده قبيحاً وغبياً، وهكذا. لكن الحياة أعقد من ذلك بكثير. ثمة مشكلات في كفاحنا نحن أيضاً. وثمة أحياناً قبح في قلب الجمال. عليك أن تبدأ بالعثور على مواضع الجمال في عدوّك، في خصمك، لكي يتسنى لكما يوماً أن تعيشا معاً في بلد واحد.
هذا الثراء هو ما صادفته واقعاً حياً في موزمبيق، وتمنيت أن أراه في تمثيلاتنا الفنية هنا. فكبار الفنّانين الموزمبيقيين لم يكونوا منجذبين إلى فنّ الاحتفال والانتصار، بل إلى فن التعقيد والقسوة والألم. وأذكر أني سألت الرسام مالانغاتانا ذات يوم عن ألوانه الداكنة وناسه الحزانى، فأجابني: يا ألبي، شعبنا مرضوض، والجراح عميقة، وأنت لا يمكنك الإفلات من ذلك بأقواس قزح ومظاهر فرح وما شابه.
ماتياس نتوندو، تعاونية نانديمبا، 1983. تقدمة مجموعة ألبي.
كان مما يحزنني أيضاً أن الحياة التي كنا نعيشها كانت شديدة الثراء، بما فيها من دعابة وضحك وفرح وكرب وتناقضات شتى، لكن هذا الثراء لم يكن يظهر في لوحاتنا وأشعارنا ورواياتنا كما ينبغي. لعل مجال نجاحنا الوحيد كان الموسيقى. فنّانونا، مثل عبد الله إبراهيم وميريام ماكيبا وهيو ماسيكيلا، صنعوا بالفعل أصواتاً شديدة الثراء والدفء، مزخرفة حيناً ومتقشّفة حيناً آخر، وعميقة وحادّة وشجيّة أحياناً أخرى. طيف كامل من العواطف. هذا هو ما كنا نريده حقاً.
نيو فجنز: في تأمّلاتك حول فنّاني جنوب أفريقيا، وخصوصاً عازف الجاز عبد الله إبراهيم الذي رحل في حزيران/يونيو الماضي، كتبت كيف كان عزفه يأخذك إلى «عالم من الظُّرف واللباقة والحيوية والحميمية»، «عالم بلا رجال شرطة»، خالياً من قوانين التصاريح ومن السيطرة العنصرية. لم تكن موسيقاه فقط مقاومة للأبارتهايد (الفصل العنصري)، بل تجاوزاً وتجاهلاً وإغراقاً له حتى، وتأكيداً أن هناك عالماً آخر؛ عالماً موجوداً بالفعل قبل تحقّقه السياسي بزمن طويل.
يراودني كلامك ذاك حين أرى نشطاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم، محترقين ومستنزَفين، ومخذولين بثورات لم تحقّق وعودها. الأمر مفهوم بالطبع، لكنه فخّ أيضاً.
ماذا تودّ أن تقول لهم؟ هل استعادة الظُّرف والفرح، ورفض ما تفرضه الظروف على الخيال، أشياء مكمّلة للنضال من أجل الحرية؟ أم ربما شرط من شروط الحرية أصلاً؟
ألبي ساكس: تعلمين أن الرئيس الموزمبيقي سامورا ماشيل كان ممرّضاً ولم يتعلم سوى لأربع سنوات، لكنه كان رجلاً ألمعياً. كان يلقي خطباً عامة، وكنا نحب أن نحضر خطبه. مرة استخدم عبارة «العدو يعسكر في رؤوسنا». بقيت أشعر أننا بالفعل نسمح للعدو بأن يعسكر في رؤوسنا، وأن يحدّد لنا من نحن، وماذا نفعل، وماذا نتخيّل. لذلك كنت أجد موسيقيّينا رائعين: فرح وطاقة واستقلال. إبداع. جسارة ومغامرة. كان ذلك مذهلاً. وكان لنا نحن.
جواو كرافيرينيا، في مدح عبد الله إبراهيم، حفل الحرية، 1982. تقدمة مجموعة ألبي.
لقد جاءت موسيقانا من موسيقى القبائل القديمة، ومن موسيقى الكنيسة، ومن التقاليد السماعية القديمة، ومن الجاز، ومن شذرات من الموسيقى الكلاسيكية دخلت بطرق شتى. كانت معبّرة بعمق. ولم تكن كلمات الأغاني أهم مكوّناتها، بل الطاقة التي تبثّها، وحيوية الأصوات المؤدّية فيها. كانت مبهجة بحقّ.
كانت تشحننا وتعزّز شعورنا بإنسانيتنا وبذلك تمنحنا الشجاعة. شجاعة مأخوذة من الأبواق والطبول، ولا بأس. لكن إن كان هذا كل ما تسمعه فالأمر مملّ بعض الشيء. لا بد من ذلك التنوع؛ التنوع الذي في الحياة نفسها؛ الذي نختبره في الحياة. كنت أجد هذا في موزمبيق، يداً بيد مع سحر وغموض نجاتي من تلك القنبلة. منحني ذلك الصلابة اللازمة لأتجرّأ أكثر. وقتذاك كان أسوأ ما يحصل لك أن يقال عنك برجوازي، خصوصاً إن كان بالفعل برجوازياً. أقصد بالنسبة لأبناء الطبقة الوسطى. وأنا كنت محامياً. لكن الآن سمّوني برجوازياً كما تشاؤون. لا يهمني. أنا مستمتع. أنا أعمل على هذه الورقة. الأمور رائعة بالنسبة إلي. كتبتها وأرسلتها. لم أحضر المؤتمر في الحقيقة، فقد كان بيني وبينه رحلة طيران طويلة. نسيت الأمر واعتبرته بحكم المنتهي. ثمة أشياء ننتجها ولا يقرؤها الناس. وأنا نفسي قلما أقرأ ما يصلني من وثائق. كان ذلك قبل عصر الإنترنت. فجأة، بعد شهرين تقريباً، سمعت من أحد من حضروا المؤتمر: رفيق ألبي، ورقتك شقّت المؤتمر نصفين! تبيّن أن خلافاً حاداً جرى بشأن ورقتي. البعض قال: كيف يقول كفّوا عن اعتبار الفنّ سلاحاً نضالياً؟ وآخرون قالوا: بالفعل، أشعر أني تحرّرت الآن.
لأزيدهم من الشعر بيتاً، عندما عدت إلى جنوب أفريقيا أطلقت جامعة كيب تاون كتابي بعنوان: الانتقام الناعم لمقاتل من أجل الحرية.
ألبي ساكس، الانتقام الناعم لمقاتل من أجل الحرية، 1990، صورة الغلاف. تقدمة مجموعة ألبي.
كنت جالساً وفجأة امتدّت أصابع لتغطي عيني، وإذا بامرأة تقول: احزر يا ألبي! كنت أعشق رقص التاب، ثم التحقت بالحراك النضالي فشعرت أنه شيء إمبريالي وبرجوازي ولا يجوز بحقي، ثم قرأت مقالتك فخرجت فوراً وبدأت الرقص، والآن أحلم أن أذهب معك إلى جلسة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي وأفاجئ الجميع برقصة مباغتة. وعندها أدركت أني كنت مصيباً. فإن كان البعض يتحرّج من مجرد الرقص، وإن كان يحبه لكن يشعر أنه ليس سياسياً بما يكفي، فلا بد أن هناك خللاً ما. لا بد.
نيو فجنز: أنت تقول إننا بحاجة ماسّة لاستعادة مفهوم الفرح بوصفه جزءاً من نضالنا من أجل الحرية، صحيح؟
ألبي ساكس: نعم، نعم.
نيو فجنز: أي هو ليس ترفاً بل ضرورة للمقاومة.
ألبي ساكس: صحيح. لكن ثمة مشكلة هنا، فنحن لا يمكننا تصنيع الفرح. ولا نستطيع ممارسة الفرح بوصفه مسؤولية وواجباً سياسياً. هو شيء بحاجة لأن نعثر عليه في داخلنا لكي ينطلق. لعل ما كنت أدعو إليه حقاً ليس موقفاً عقائدياً جديداً من نوع: يجب على الرفاق الفرح، هيا افرحوا لأن الفرح يخدم النضال. بل ما قصدته تغيير خيالنا بطريقة تسمح للفرح بالانطلاق؛ تسمح بظهور الخطر، بأخذ المجازفة، بالجلوس مع التناقضات، بتمحيص الاختبارات التي نمرّ بها.
كنا نعاني من مشكلات كثيرة في نضالنا. انتابتني لحظات من الإحباط الشديد نتيجة سلوكيات وجدتها تعسفية وخاطئة وكاذبة. لكني بقيت أشعر أن قيادتنا صالحة وسديدة، وأن المجموع أفضل من الأجزاء. وكنت أشعر أن علينا أن نكون صادقين بما يكفي وأقوياء بما يكفي لنفحص هذه المشكلات، ولنفحص ضعفنا وإخفاقاتنا، لا من زاوية التنظير والتلقين الثوري بل من زاوية التعبير الإنساني. ولذلك كنت في غاية الفرح وأنا أكتب تلك الورقة، ولم أجد من الكلمات ما يكفي لأشرح كيف وسّعت نظرتي فاضطررت لفتح باب خيالي على مصراعيه. ثم بدأت الكلمات تتدفّق على الورق.
نيو فجنز: أستطيع أن أؤكد لك أننا، بعد ستة وثلاثين عاماً، ما زلنا نستشعر ذلك الفرح. لقد وصلني حتى قبل أن أفهم الحكاية الكاملة وراء المقالة. لكن هناك شيء من التمرّد فيها أيضاً.
ألبي ساكس: نعم.
نيو فجنز: في المقالة تطرح سؤالاً لا يتوقعه المرء في وثيقة نضالية: ماذا عن الحبّ؟ وتكتب بالحرف: «علامَ نقاتل إن لم يكن من أجل حقنا في التعبير عن إنسانيتنا بكافة أشكالها، بما في ذلك رغبتنا بالمرح، وقدرتنا على الحبّ والرقّة، وتذوّقنا للجمال؟».
منظمتنا نيو فجنز (رؤى جديدة) مسماة تيمّناً بكتاب بيل هوكس «كل شيء عن الحب: رؤى جديدة». ترى هوكس أن الحبّ ليس مجرد شعور، بل هو أيضاً ممارسة منضبطة تُبنى على الرعاية والمعرفة والالتزام والثقة والاحترام، وأن النضالات القائمة على الغضب فقط أو المقاومة فقط، والتي لا تضع هذه الأخلاقيات في قلب مشروعها، ينتهي مشروعها إلى قسوة لا تقل عن قسوة ما تناضل ضده.
يلفت نظري أنك وضعت يدك على شيء قريب جداً من ذلك عام 1989، وكنت وقتها في المنفى، وفي خضمّ كفاح مسلّح. ما الذي أشعرك بضرورة الإصرار على أن الحبّ مطلب سياسي مشروع لا ترف شخصي؟ وهل تعتقد أن حركات التغيير اليوم فقدت ذلك؟
ألبي ساكس: كنت أشعر بهذه الأشياء في حدسي، من داخلي، ولا سيما بعد نجاتي ممن حاولوا محوي عبر قتلي ثم عبوري تلك المحنة. كان الأمر إعجازياً وساحراً وأخّاذاً. لذلك كان الفرح موجوداً ومحسوساً داخلي. كما أن هذا الفرح امتدّ ليشمل الفرح بنضالنا جميعاً، والشعور بأننا سنعود إلى ديارنا وسنخرج من سجوننا وسنقود التغيير الذي نريده. خلق ذلك طاقة جميلة. ولعله استحضر أيضاً الفرح والمتعة اللذين امتلأت بهما، في مرحلة سابقة من حياتي، أثناء قراءة الروايات ومشاهدة الأفلام الرائعة وحضور عروض الأوبرا.
إنه شيء فاتن وجميل ومبهج. إن من أسباب نضالنا ضد الظلم استعادة الحق في الجمال. ليست أن الجمال يمنحنا القوة اللازمة لكسر شوكة العدو. بل هو بحد ذاته مطلب: أن نكون بشراً أسوياء. هذا ما قاتلنا من أجله. شعرت أن لهذا تبعات شاسعة، فالمرء إذا لم يكن يشغل باله سوى السلطة والسيطرة وتدمير العدو، فهو يضيّق رؤيته ويُغلق قلبه ويحدّ عالمه ويحرم نفسه من التعبير عن إنسانيته الكاملة. في النضال جمال كثير: جمال الشجاعة، وجمال رفقة الدرب، وجمال العلاقات والأحلام والأخيلة. كان جمالاً يحاول دائماً أن يشرق، لا أن ينكسف. وأقول عموماً إن من علامات قوة جنوب أفريقيا اليوم ذلك التوق إلى الجمال، والتعبير عن الجمال، والتلاقي مع الجمال، وصقل العلاقة مع الجمال. هذا لم يغادرنا. يعاني الناس مشقات كبيرة في ميادين كثيرة، وحدثت أشياء سيئة ولا يمكن القبول بها، ومن ثوريين سابقين ومقاتلي حرية مرموقين. لكن الناس ليسوا مسحوقين. الفنّ يتقاطر منهم بطرق شتى. ومن دواعي ارتياحي أن قطاع الستاند أب كوميدي هو الأكثر نمواً لدينا. لعل تريفور نواه أشهر الكوميديين، لكن الظاهرة منتشرة في كافة أنحاء البلاد. إذن مرة أخرى، نتحدث عن تلك القدرة على السخرية من الذات، تلك اللياقة النفسية، رفض الانكفاء إلى عيش تحكمه التعريفات الضيقة. نحن لا نعيش بالتعريفات؛ نحن نعيش بالتعبيرات. التعريفات تساعدنا، وهي مفيدة، لكن لا ينبغي أن تسيطر علينا ولا أن تسجننا.
نيو فجنز: لننتقل الآن إلى لحظة التحرّر. بعد الأبارتهايد، عيّنك نيلسون مانديلا قاضياً في المحكمة الدستورية الجديدة، وهناك بادرت إلى ما لا يتوقعه أحد من قاضٍ: تنسيق المعارض وتكليف الفنّانين واستدخال الفنّ إلى مبنى المحكمة نفسه. كنت تطرح سؤالاً لا يطرحه القضاة في العادة: ماذا لو كانت العدالة لا منصفة فقط بل وجميلة أيضاً؟ كنت تقول بوضوح إن الفنّ والتعبير الفكري ليسا ثانويَّين في عملية بناء مجتمعات حرة ديمقراطية، بل هما في صميم العملية.
يشغلني سؤال عما استلزمه ذلك منك بالفعل. لا أقصد اعتناق المبدأ بل خوض المعركة اللازمة من أجله. هل حدث أن قال لك أحدهم إن هذا عبث وإهدار طاقة يجدر صرفها في مكان آخر؟ وبم أجبته؟
ألبي ساكس يؤدي اليمين قاضياً في المحكمة الدستورية لجنوب أفريقيا. تقدمة مجموعة ألبي.
صورة رسمية لأول قضاة المحكمة الدستورية الجديدة في يوم التدشين 1995. تقدمة مجموعة ألبي.
ألبي ساكس: حسناً، السؤال الذي وُجّه لم يكن على هذه الدرجة من الدرامية. صيغتك تعجبني أكثر، لكنها ليست الصيغة التي سمعتها. ما سمعته كان بالأحرى: كيف تنفق المال على الفنّ وهناك أناس كثر بلا سقف فوق رؤوسهم، وغيرهم بلا قوت يومي؟ وكان جوابي على طرف لساني: هل تقصدون أن الفقراء لا يريدون سوى مأوى وطعام؟ أن الفقراء لا حقّ لهم في الجمال؟ هذا مكان مفتوح؛ فضاء عمومي لترسيخ حقوقك الأساسية المنصوص عليها في وثيقة الحقوق. من حقك أن تجد نفسك في مبنى غير مفزع ولا يمثل سطوة الدولة؛ مبنى يقول لك: أهلاً أماه، أهلاً أبتاه.
كانت رئيسة لجنة المساواة بين الجنسين عضواً في لجنة تحكيم مسابقة دولية أقمناها لاختيار أفضل تصميم لمحكمتنا الدستورية الأولى في جنوب أفريقيا الجديدة. اخترنا أن يكون المبنى في وسط سجن قديم، وذلك لسبب جمالي أيضاً: لفتة رمزية لتحويل الطاقة السلبية إلى طاقة إيجابية. كان ذلك الاختيار جزءاً لا يتجزأ من فعل بناء المكان الذي تُقرَّر فيه الحقوق الأساسية للبشر.
كانت من بين أعضاء اللجنة ثينجيوي متينتسو، القائدة السابقة لتنظيم رمح الأمة، الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي. سألت وقتها: لماذا وضعتموني في لجنة التحكيم؟ ألأنكم وجدتم جميع الأعضاء رجالاً؟ كانت محقة مئة بالمئة. ثم تولت زمام المبادرة وقالت: أنا أمي، أمي تخاف من المباني الحديثة، أمي تريد أن تلفّ من خلف المبنى وهي تسأل أن يدلّها أحدهم على هذا المكتب؛ أنا أريد مبنى يبتسم، مبنى يقول لها يا أماه ادخلي المبنى، يا مرحباً بك، هو حقّك المصون؛ هذا هو المبنى الذي أريده. ولذلك أشارت إلى التصميم رقم 62 بعنوان العدالة تحت شجرة، وهي طريقة تقليدية في أفريقيا لفضّ النزاعات بمشاركة الجميع. كان بالفعل أجمل التصاميم. وقتها قال رئيس تحرير مجلة آركتكتشرل ريفيو البريطانية إنها أفضل لجنة تحكيم شارك فيها، لأن المحترفين في العادة يتنازعون، ثم يقع اختيار غير المتخصصين على أقل التصاميم إثارة. لكن في تلك المرة اختار غير المتخصصين التصميم الأشدّ إثارة. وكانت متينتسو نفسها سجينة في قسم النساء في ذلك السجن. وقد ذكرت أن ذلك التصميم هو ما ترغب في رؤيته.
مقطع فيديو فيه لقطات من مبنى المحكمة الدستورية لجنوب أفريقيا. تقدمة مجموعة ألبي، مجمع الأحكام. انظر: www.thealbiecollection.org
هكذا بدأنا بمبنى كبير وجميل يرحب بك من داخله ومن خارجه. كنت كلما دخلت محكمة دنيا في جنوب أفريقيا ينتابني شعور عارم بالذنب، هذا وأنا قاضٍ. كنت أسمع العمارة تقول: نعرف ما فعلت، ونحن وراءك. لقد بنينا ذلك المبنى من أجل والدة ثينجي متينتسو، والتي كانت تعمل في غسل ثياب العائلات لكي تصرف على دراسة ابنتها في المدرسة والجامعة، الأمر الذي قاد لالتحاقها بمعركة التحرّر الوطني.
وفيما يخص الفنّ داخل المحكمة، ابتعدنا عن الرمز المستورد لامرأة معصوبة العينين مع ميزان يمثّل العدالة. اعتمدنا شعاراً جديداً. بدأ الأمر كله بشعار صغير: شجرة كبيرة تحتها ناس. يمكنكم الحصول على نسخة منه ليراه القراء.
الرئيس نيلسون مانديلا يزيح الستار عن شعار المحكمة الدستورية الجديد، 1995. تقدمة مجموعة ألبي.
لقد كان تغييراً في الخيال. ثم حصلنا على ما يعادل ألفي دولار للديكور. واليوم أصطحب الناس في جولات وأقول: انظروا ما يمكن فعله بألفي دولار؛ يكفي أن تكونوا مجانين قليلاً. على المعماريين أن يكونوا مجانين قليلاً، وعلى القضاة أن يقبلوا مجاراة الجنون، وعلى الزمن في البلاد أن يكون زمناً يستدعي ذلك الجنون.
كل ذلك كان ممكناً من الممكنات. وقد صار الآن جزءاً لا يتجزأ من المشروع. لا يزيد ذلك من حكمة القضاة، ولن أزعم أن أحكامنا صارت أدقّ حين انتقلنا من مكاتب شديدة البساطة إلى هذا المبنى الجميل الجديد. لكنه عزّز حضور الحقوق الأساسية في صميم المشروع. الأمر يتعلق بالناس؛ القانون هو قانون الناس. أنت لا تحشر الناس في فئات معدّة مسبقاً لهم، بل تصنع الفئات التي تمكّن الناس أن يكونوا على طبيعتهم وأن يعبّروا عن إنسانيتهم إلى المدى الأقصى.
ومن هنا ابتعدنا في اختياراتنا الفنية عن الفنّ التجريدي، لأني لم أشأ تشجيع اختزال القانون في العقلانية المحضة. القانون ليس عقلانية فحسب. بالتأكيد عليه أن يكون عقلانياً، ومنضبطاً، ومنظّماً، وعليه أن ينطوي على منهجية. لكن هذا ليس كل شيء. فالقانون وظيفته ضمان حقوق الكائن البشري؛ حقوق الناس، ولا بد أن يكون له قلب كما له عقل.
ولذلك مع توالي الأعمال التي بدأنا بتلقّيها واقتنائها، كنت أفتتح معرضاً وأقول للفنّانين: لقد أهدانا فنّانون آخرون أعمالاً بديعة، هل لكم أن تفعلوا مثلهم؟ وكانوا يطلبون مني اختيار ما أشاء. كانوا يملأهم الفخر بأن عملهم سيُعرض في المحكمة. وهكذا تعمّق بيننا اتّصال جميل للغاية. وبعض تلك الأعمال معروض الآن في متحف زايتس للفن الأفريقي المعاصر.
ألبي يقود جولة في معرض الربيع متمرّد: فن ألبي ساكس وحياته، في متحف زايتس للفن الأفريقي المعاصر. الصورة تقدمة كارولين بارتون، مجموعة ألبي.
ألبي ساكس أمام عمل لسيسيل سكوتنس وهاميلتون بودازا. تقدمة مجموعة ألبي.
البعد الأفريقي بالغ الأهمية هناك. ولا أقصد فقط فنّ الأفارقة التقليدي الحاضر بقوة في المعارض، فهناك أيضاً الفنّ المصري، والفنّ الأفريقي الذي يأتي في العادة في خشب داكن وربما بعض البرونز. إنه فنّ معبّر للغاية عن الناس اليوم، وفيه فنّانات كثيرات يعملن بوسائط مختلفة. إنها مساحة رائعة تمنح زائريها الكثير من الغبطة: صومعة حبوب قديمة تحوّلت إلى متحف فنّ على واجهة كيب تاون البحرية.
نيو فجنز: جميلة بالفعل. لكنك تعلم أن هذه المعركة لم تصل إلينا في العالم العربي. نحن ما نزال نطالب بأن تكون لدينا محاكم مستقلة، ناهيك بالمحاكم الأخّاذة. أودّ هنا أن أسألك سؤالاً يكاد يكون أنانياً: هل كان الجمال ترفاً تمكّنتم من دفع كلفته بسبب انتصاركم السياسي، أي كتابة الدستور وتأسيس المحكمة؟ أم أن إصراركم على الجمال كان أحد الطرق المؤدّية إلى ذلك الانتصار؟
ألبي ساكس: هو بالتأكيد من طرق الانتصار. العاطفة، والاندفاع، والطاقة. لم يكن مجرد زخرفة. لم نكن نقول: نلنا حريتنا، ونلنا دستورنا، وها نحن نحتاج مبنى أنيقاً يعبّر عن بهائنا. بل العكس تقريباً. فمن عدة وجوه، ومن نظرة أولى خاطفة، المبنى غريب للغاية: ليس متناظراً، وليس عقلانياً، وفيه مواقع وفضاءات مختلفة، ويستخدم مواد حديثة وثيمات حديثة للتعبير عن مشاعر وأحلام عتيقة. أشعر بانتعاش كلما ذهبت إليه، وقد مضى على تركي المحكمة الدستورية نحو خمسة عشر عاماً، وهي مدة طويلة. لكن هذا ما توصّل إليه المعماريون: اقتران الضوء والمكان والفضاء والرؤية والوظيفة. إنه حديث للغاية، ومع ذلك دافئ للغاية.
ألبي في بهو المحكمة الدستورية، 2025. الصورة تقدمة كارولين بارتون / مجموعة ألبي.
نيو فجنز: في جنوب أفريقيا، أفضت المقاومة إلى مرحلة انتقالية طويلة وملأى بالمفاوضات، ثم إلى التحرّر، ثم إلى العمل البطيء على بناء ديمقراطية نجحت، على نواقصها، في الصمود. لكن في معظم العالم العربي شهدنا أشياء أخرى: مقاومة حقيقية، ونافذة تحرّر محدودة من خلال الثورات، ثم انقسام مجتمعي بين الإسلاميين والعلمانيين، ثم عودة الدكتاتورية، أو في بعض الأحيان اندلاع حروب أهلية.
برأيك ما الذي ينبغي أن يحدث داخل المقاومة نفسها استعداداً لنافذة التحرّر تلك؟ وماذا يلزم بعد ذلك للاستفادة من لحظة انفتاح النافذة لإنجاز تحوّل حقيقي، بدل أن تكون مجرّد تأجيل للانهيار؟
ألبي ساكس: يجدر بي أن أوجّه أنا هذا السؤال إليك. كنا نكره أن يأتينا الغرباء ليخبرونا كيف ندير كفاحنا من أجل الحرية. لكن طريقة عرضك للأمر ذكّرتني بشيء. كنت في ميدان التحرير في مصر بُعَيد الانتفاضة. كانت لحظة مذهلة. كان ينتابني الفرح والحماس. ثم بعد وقت قصير بدا أن كل شيء يتلاشى. ومن الواضح أن من أرادوا استعادة الأوضاع القائمة السابقة وظّفوا الاستقطاب العلماني-الديني لمصلحتهم. من هذا المنظور، كان التقارب الديني والعلماني في نضالنا نحن مفيداً إلى أقصى حد. فالقائد أوليفر تامبو، شريك مانديلا في مكتب المحاماة وقائد المؤتمر الوطني الأفريقي في المنفى خلال سجن مانديلا، كان متديّناً بعمق، وكان على وشك أن يصبح قساً أنغليكانياً في كانون الأول/ديسمبر 1956 ويعقد قرانه على زوجته أديلايد. لكنه اعتُقل وأُلقي في نفس السجن الذي بنينا فيه محكمتنا اليوم. وقد أسّس في سجنه جوقة، قبل أن يُنفى ويواصل رحلته في القيادة.
صورة غلاف كتاب حلم أوليفر تامبو، 2017. تقدمة مجموعة ألبي.
بالنسبة لي نشأت في عائلة علمانية للغاية، وسبق لأبي وأمي أن خاضا صراعاً مع أهلهما حول الدين. ومع ذلك حين دُعي أوليفر تامبو في إحدى السنوات لتقديم مداخلة في مؤتمر عالمي عن الدين، جاءني ليستشيرني في خطابه. كان يشعر بأني سأجد له الكلمات المناسبة. كنت أُكِنّ له حباً واحتراماً هائلين، ومع أن لكل منا مصفوفته الخاصة؛ المصفوفة الشكلية لمعتقداتنا إن صح التعبير، فقد كان هناك جوهر مشترك يجمعنا. كان هو يعبّر عن هذا الجوهر من خلال لغته الدينية والعلاقة بالمسيح، وكنت أنا أعبّر عنه بلغة الحبّ الثوري إن شئت. وكنا شريكين.
لاحقاً، حين كنا نضع موادّ الدستور، أراد المتديّنون ديباجة مطلعها «بخضوع وخشوع أمام الله القدير». كان افتتاح الدستور بتلك العبارة جائراً للغاية بالنسبة للعلمانيين، فخطرت ببالي التسوية التي اعتُمدت لاحقاً: نكوسي سيكيليل إيأفريكا، أي ليبارك الربّ أفريقيا. وكانت تلك أنشودة الحرية التي كنا ننشدها في السجن. أنا علماني، لكني كنت أغنيها رافعاً قبضتي اليمنى. أظن أن هذا الإنجاز في غاية الأهمية: لم نسمح لأعداء النضال أن يشقّوا صفوفنا على خط الفصل بين العلماني والمقدّس.
ولاحقاً فيما يتعلق بعملي في القضاء، طُرح علينا زواج المثليين، ولا أعتقد أن هذه المسألة على رأس جدول أعمالكم في العالم العربي الآن. نحن كان علينا أن نواجهها. كانت وجهة نظري أن علينا الحديث عن تعايش العلماني مع المقدّس بدل الحديث عن الصدام بينهما. فالمقدّس قائم في مجاله، وليس من حقّ العلماني الدوس عليه أو قمعه. لكن في المقابل ليس من حقّ المقدس فرض قيمه على الجميع، بمن في ذلك من لا ينتمون إلى أية عقيدة دينية. وعلى هذا الأساس، كما تعلمين، أجزنا زواج المثليين، اعترافاً بالحبّ الذي يكنّه الناس لأشخاص من نفس جنسهم، لكن دون إجبار المتدينين على إقامة مراسم زواج تخالف ما يؤمنون به. وقد أفضى ذلك إلى قبول غالبية الناس في جنوب أفريقيا حق المرء في الزواج من نفس جنسه وفي التعبير عن حبّه على ذلك النحو.
نيو فجنز: أتذكر أننا بعد الثورة التونسية أمضينا ثلاث سنوات في صياغة دستورنا الجديد. كانت عملية منفتحة على الجميع إلى حد بعيد. حصل نقاش سياسي كثيف، وصدرت عدة قوانين تقدمية، خصوصاً على صعيد مساواة الجنسين وحقوق النساء، لكن ترافق مع ذلك توتّر كبير. وأظن أن المشكلة تكمن في السنوات الطويلة التي عشناها في ظل الدكتاتورية، والتي أورثتنا عقلية الدكتاتور. لم نكن نُجيد إدارة المواجهات السياسية، ولا إدارة الانقسامات ضمن الفضاء السياسي. كان كل طرف يرغب في إقصاء الطرف الآخر، ولم يكن أحد قادراً على تخيُّل مجتمع يتّسع لجميع أبنائه، أو مدركاً لأهمية السياسة والأحزاب السياسية بما هي ساحة الصراع حول الأفكار.
كانت سنوات عسيرة جداً جداً، خصوصاً على أمثالي الذين يؤمنون بالتعايش وباستخدام الدستور والمساحات السياسية للدفاع عن الرأي. وأعتقد بصدق أن النكسة التي تجتاحنا اليوم تعود إلى ذلك العجز عن إدارة الاختلاف. لأننا عشنا في ظل الطغيان، لم نكن نعرف حقاً كيف تُدار الحرية.
هذا يقودني لملاحظتي الأخيرة. دوماً أقول لمن عاشوا الانهيار مثلي، ولجميع أبناء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إنني سرت في الثورة التونسية. كانت تلك أسعد أيام حياتي، وأعني ذلك بحقّ. ولكن مشاهدة الانهيار اللاحق محبطة إلى حد ما. ما نصيحتك لنا لنعود ونجهّز أنفسنا للحرية من جديد؟
ألبي ساكس: حسناً، النصيحة التي أقدمها في العادة هي التالي: لا تُصغوا لكلام العجائز أمثالي. كونوا وقحين ومشاكسين وعنيدين كما كنت أنا في شبابي.
لكن قد لا يكفيك ذلك. أولاً، عليكم تعلّم دروس النصر، ثم دروس النكسات. ثانياً، عليكم أن تفخروا بما أنجزتموه فعلاً وألا تستخفّوا به. لقد كان إنجازكم هائلاً. كان رائعاً. لقد ألهم العالم بأسره. ألهم البلدان المجاورة. هذا شيء لا يمكن القضاء عليه. أنتم من حقّقه. هو واقع. بدا لوهلة مستحيلاً، ثم صار شيئاً في غاية القوة. لقد أصبحت تونس محطّ أنظار العالم بوصفها البلد الذي ألهم الشجاعة لبلاد كثيرة غيره.
بعد ذلك لدي بعض الأفكار الواضحة بشأن الوحدة، وهو أمر قلما تحدثت عنه. أظن أن الوحدة مجال تميّز فيه قادتنا، مثل أوليفر تامبو ونيلسون مانديلا، ببراعة خاصة. لم يكونوا يقولون: اتبعوني، لدي الجواب، أنا أجسّد كل ما تناضلون من أجله. بل كانوا دائماً آخر من يتكلم في الاجتماعات. كانوا يصغون إلى غيرهم. وذلك من التقاليد الأفريقية. والإصغاء إلى أناس كثيرين يتفقون على مواضيع جوهرية معينة، ثم بناء إجماع بشأنها والتعاون على أساسها، ذلك هو الميدان الذي أظنّ أننا في جنوب أفريقيا أبلينا فيه ربما أفضل من أي حركة تحرّر أخرى في العالم.
كنت أحضر اجتماعات في لندن، وهي مدينة منفيّين من شتى أنحاء العالم: أناس كثيرين من أميركا اللاتينية، من الدكتاتوريات العسكرية، ومن آسيا وأفريقيا، بل ومن أميركا، مثلاً ضحايا المكارثية الذين فرّوا إلى لندن. كانت كل الحركات تقريباً متشظّية. كانوا يخوضون صراعات بينية. كان كل منهم يقول: أنا الزعيم الحقيقي للمعارضة. شهدنا في المؤتمر الوطني الأفريقي عدة انشقاقات، ولم نكن الحركة الوطنية الوحيدة. لكن لم تحصل بيننا مشاجرات علنية. وحافظنا دوماً على رؤية واضحة وأهداف واضحة، وكنا مُجمِعين بشأنها. أصبح ذلك مهماً داخل جنوب أفريقيا نفسها، إذ طمأن المواطنين البيض إلى وجود متّسع لهم في البلد الجديد. ليست مسألة حياة أو موت، وليست غالبين أو مغلوبين. ثمة مكان شريف وكريم لهم، لكن فقط على أساس المساواة. وسوف يحصلون عليه لأننا جميعاً أردناه. كان ذلك البلد الذي أردنا العيش فيه.
ولا أشكّ أن لديكم ما يوازي ذلك في بلادكم. تعلمون أننا نعاني اليوم من الفساد. وأنا واثق أن بينكم مناضلين شديدي الشجاعة، رائعين، ثم انتهى بهم الأمر على كراسي الحكم، وربما أخذوا يبنون أمجاداً شخصية لأنفسهم. تلك تجربة متكررة. أعظم الناس يصلون إلى مرحلة تعبث فيها السلطة بعقولهم. فالفرص الجديدة للانخراط السياسي، ولنيل الثروة والوجاهة والنفوذ من داخل مناصب الدولة، قد تكون منهكة أشدّ الإنهاك للروح. وعلى أي حال، المسألة الآن مسألة تقارب وتشارك وإيجاد منصات مشتركة.
وفي الختام، وربما عوداً على بِدء: ثراء العقل، وتأهّب الخيال، وحبّ الحياة، والاستمتاع بالتضامن والرفقة، والبحث عن الإيجابيات حتى بين المخالفين، وحتى داخل النظام، والبحث عن سُبُل لمنع انزلاق أي صراع إلى معركة وجودية يجب أن يموت أحد طرفيها ليحيا الآخر. إذن هي بناء الوحدة ضمن صفوفكم من جهة، وإفساح المجال لانضمام الخصوم من جهة أخرى؛ بتشجيعهم على ألا يتشبّثوا بمواقعهم، وعلى ألا يرفعوا السلاح كلما طالبتم بشيء، وبإخبارهم بأن لهم مكاناً بينكم. كان ذلك ضرورياً خلال حراكنا الذي سجّله التاريخ ثورة سلمية. ودستورنا صمد. وهو لم يكن نصاً فحسب بل مؤسسات تسنده أيضاً. وأدت محكمتنا دوراً كبيراً للغاية، والصحافة تؤدي دوراً كبيراً، وللمجتمع المدني أدوار مهمة، ولدينا مشهد سياسي شديد الحيوية. لذلك، ورغم أن هناك فظائع تحدث، إلا أننا نعرف حدوثها بفضل الصحافة، وبفضل المجتمع المدني، ولأن شعبنا يجاهر بالاعتراض. شعبنا قادر على الاستجابة من خلال الثقافة، لا بوصفها مهرباً من الواقع، ولا أداة الإغراق في أحلام منفصلة عن العالم الحقيقي، بل بوصفها نمط تعبيرنا عن أنفسنا، بكل ما في أنفسنا من تنوّع وتباين واختلاط إنساني. دعوا ذلك يخرج، فهو يمنحكم وثبة عالية في الحياة. يمنحكم إحساساً بالأمل، حتى حين لا يبدو أن الأمور تسير على ما يرام.
نيو فجنز: رائع! شكراً جزيلاً لك ألبي ساكس. أنا ممتنّة بشدة لكرمك ووقتك. لقد كانت تلك المقالة ملهمة لي أشدّ الإلهام، وهي سبب هذا الحوار. وآمل أن تُواصِل إلهام كثيرين بعدي كما ألهمت كثيرين قبلي.
أعتبر نفسي من أولئك الذين يجهّزون أنفسهم للحرية. قد أعيش لأراها ذات يوم، وقد لا أعيش. لكن ما تعلمته من مقالتك أنني، ما دمت أسير في تلك الدرب، فأنا حرّة بالفعل. فكري حرّ. وما زال في وسعي أن أهزّ الواقع قليلاً، أن أحرّكه، أن أقترح عليه. وما زال عليّ تعلُّم الفرح والظُّرف واللباقة وأنا أفعل ذلك. تلك المعارك قاسية أحياناً، وأكثرنا يستعجل النتائج. لكن بالفعل، يتحرّر المرء كثيراً ما إن يتعلم أنه حرّ عملياً منذ لحظة سيره على درب الحرية، وأنه لا يُعرَّف بظالميه فحسب، وأن في وسعه بناء أشياء أخرى رغم كل شيء.
أشكرك مجدّداً على وقتك وعلى كرمك. لقد كان خوض هذا الحوار معك شرفاً سأحمله معي ما حييت.
ألبي ساكس: وأنت تجعلينني أشعر بأنني شاب في مقتبل العمر. يا للروعة!
نيو فجنز: عظيم جداً. هل أعجبك الحوار كما وعدناك؟
ألبي ساكس: بكل تأكيد.
نيو فجنز: شكراً. شكراً جزيلاً لك.
انتهى
[1] Albie Sachs, "Preparing Ourselves for Freedom," 1989
[2] Spring Is Rebellious: The Art and Life of Albie Sachs, curated by Dr. Phokeng Setai, Zeitz Museum of Contemporary Art Africa (Zeitz MOCAA), Cape Town, July 24, 2025–August 23, 2026.